هو الحبّ- المعيد التوّاب المجيب، القهّار المؤمن القريب

عند المسير في حبك،
تعيد الدروس نفسها حتى أتعلمها،
من إحسانك فيّ حبيبي،
يطوّعُ كل شيء فأغدو كذهب مصهور بين يديك تنقّيه وتشّكله،
وحين أذوق جنتك لا أذكر قبلها شقاءاً قط…

تعلمت أن أسامح نفسي إن طلبتك سماحها،
فذنوبي صارت تخجل من كرمك عليّ،
قد آلت حتى الذنوب صاغرة أمام جودك، تذكّرُ بالنّعم!
بكل نَفَسٍ تجودُ به عليّ رغم سوءِ أفعالي…
لإيمانك بي،
مازلتَ تطرقُ من داخل قلبي تذكّرني،
“عودي إلي.”
فأسارع لك وتسارع لي،
لتقهر بعظمتك واهن خوفي وجزعي،
لتمطر عليّ وتغسلني بكثير رأفتك وعفوك،
فينعقد لساني حينها فأستحي أن أطلبك بعدها شيء،
وأخجل من نفسي وعللها،
وأبعدها عن طريقي إليك،
فلا يبقى سواك،

وماذا يريد المريد سوى القرب،
وأنت القريب،
ألست المجيب؟
ألست أنت المحب وأنت الحبيب…

فقلّب قلبي كما شئت في هواك،
نقيّه كما يُنقّى الثوب الأبيض من كل دنس،
ليفنى فيك كل الوجود،
فكل مادونك يزول،
ويبقى أنت.

هو الحبّ- المذلّ المعزّ، الهادي

وتهيم في وجه الدنيا وتسرح،
تبحث عن جماله…

تصبّ عليها النعم من كل صوب،
تعابير حبه،
فتفرح بها وترقص لها،
فإن نسيت وأخذتها الدنيا،
قاومت،
وكالطفل العنيد أصرّت وجمعت وطالبت…

وإن تذكّرت أطلقت كل شيء في سبيله ولحكمته،
بعد أن تقبّله!
فكل التعابير هي تعابير حبه،
كل الرسائل المشفّرة في الصور والأفعال من تدبيره،
مرسلة لها ولا تملك منها شيء،
لأنها أشياءه،
نسائمه،
خلقه،
صوره وأشكاله،
تعابيره وصفاته،
وليست هو…

فكل توسّلٍ لغيره صار مذلّة،
وكل طلب في غيره صار وهم منقشع…

فتعزّ بنفسها وتتعالى،
حين تذكر ذلّ آلام النزاع القديمة،
جهنم التي تحاوطها رغباتها وتملأها أوهام لا تسمن ولا تغني من جوع،
كيف تؤلم،
كيف تحرق،
وكيف تنهدم إن واجهتها بقليل صدق وقليل شجاعة…

وحين تسرح، وتذكرُ ذاك الفيض،
كيف يأتي برقة ولطف،
عبر كل شيء،
كالكنز يتكشّف لها،
في الهواء كهمسات هدى،
وفي اللمسات كحنان،
وفي الاستمرار كوفاء،
كيف يختبيء في ضحكات أطفالها كثواب، وبين أكفهم الصغيرة كراحة،
وفي تودّد الناس وحبهم لها كقرب، وفي جفائهم كسلام،

وكيف يتكشّف لها حتى في الوحدة كشوقٍ ونداءات تحيل بها إلى نجوى،
ولصدق مع نفسها منبعه صدقه،
كيف يؤول بها فيضه لعدمٍ يجعلها تزهد في كل مادونه،

فتعزّ عليها جميل نفسها،
كيف تذلّ من يكرمه حبيبها؟
فتكبرُ وتتعالى وتتكبّر،
حتى تعود لرشدها، فلا تمسك على شيء بين يديها،
فتردّ على الكرم بابتسامات شكر،
برقصة عرفان،
تردّ له في الهواء القبل،
وفي خلقه الرفق بهم،
وفي حكمته وعلمه الإحسان بهما…

تعلّمتْ أن تتوضأ بجماله وكثير حبه فتسبغ وتتطهّر،
وتسخّر له قلمها المتعبّد فتقوم به الليل،
تتهجّد، تحكي بكلماتها عن نوره وكرمه،
تطبّب الأحلام وتداوي الحيرة بيقينها وإيمانها به،
تطيل الشكر،
وتمسك بألم الشوق حتى لا يحال لجزع منفّر،
ولا تلوم الدموع ان فرّت من بين جفونها بصمت إن تذكره،
فتذكره طويلا، وتتغزّل في كثر جماله، حتى يبتلّ كل شيء…

فان صدقت وتصادقت، ولو للحظة،
إن تابت وتثبّتت، أنه ليس هنا أو هناك غيره شيء،
تلاشى الكون،
انقشعت كسراب كل الصور، واختفت كل ظواهر المعاني،
وبقي هو…

هو الحبّ- المميت المحيي

كان يغيب طويلا،
تأخذه المسافة ولا يبعد ذكراه شيء،
علمتها قسوة البعد وآلامه أن تداوي نفسها،
علمتها كيف تحارب حتى محدودية هذا الجسد، لتكون الطبيب إن توجّع، والحاضنةُ إذا خاف أو قلق…
تعلّمت أن تخترق حُجُبها،
أن تصبح كفراشة،
يحركها “الهوى” من أي اتجاه يهبّ،
فيه أسرار لا تصل إلّا إلى مسمعها،
يحمل معه الدفء إن كانت تشعر بالبرد،
ويبعث نسائماً تردّ الروح وتبرّد من حرّ الشوق،
ويذكّرها باللطيف،
ذاك الجميل الذي إن غاب حسّه يعمل الزمن كالزمن، ويصوَّرُ وهمُ المسافة في المسافة.
ذلك الجميل الذي ما توقف يدسّ رسائله في كل حاجاتها،
في كل شيء حولها، ومع كل شخص يحبها…
يملأ كونها بصفاته، يذكّرها،
أن تغار على نفسها كما يغار هو عليها،
أن تلطف بألمها كما يلطف هو عليها،
أن تنشر السلام في الحروب القائمة بين عقلها وقلبها وجسدها،
أن تحضن نفسها بحلم وصبر،
وتنتظر قدومهُ، فهو يأتي،
حين تقوى،
حين تنضج،
لتتحمّل حباً أكبر،
لتسمح لنفسها أن تشتاق، لتتعلم الحب حتى في البعد، لتحلم…

وحين ترضى حتى بالموت في سبيل هذا الحب،
حين تقبل أن تولد من جديد،
في ليلة حالكة، يكتمل فيها القمر فلا يضيء مثله شيء،
ستسمع أخيرا الطرق اللطيف على النافذة،
ستفتح نافذتها حينها،
ليدخل النور بعد طول غياب،
ستعانقه ويعانقها،
سينتشر في كل خلية فيها،
فتهتزّ وتربت،
ويبدأ حينها فصل الربيع،
لتزهر وتزهر،
وتزهر…

على تلك الجزيرة 04

وَضَعَ الحب حجر قبلته
في وسط تلك الجزيرة، فوق تلّةٍ تُقبّل على استحياء ساحل البحر،
عن يمينها مطلع شمس الصباح،
ومن حولها نبتت وردات حمراء متعبّدة،
فكان يحجّ إليها في اليوم مرة،
رجلٌ غريب الأطوار،
على جسده مخطوطات سحريّة،
يقف متأملا للحظة،
يتنفس شاكرا،
ويسجد…

وبعد حين،
يقوم، فيجمع بعض الوردات الحمراء التي مالت إليه مؤمّنةً على صلوات حبه وراغبةً في المزيد،
وعلى شفتيه ابتسامة تشوّق،
فهذه الوردات المحظوظة ستصلُ ليديها!

“عندها ستُذكّرها أنّي لستُ أنسى،
وإن مرّ ألفُ ألفِ عام،
سأطالبُ سرّا حقّي في ابتسامتها حين تستقبلُ أزهاري،
وستسافر عبر أنفاسها صلواتي المحفوظة في عبير كل وردة لتُقبّل جوفها،
لُتبارك لي في الحب الذي يسكن قلبها…
وفي نهاية اليوم،
حين توجّه وجهها لقبلتنا،
أعلم أنها، كرما للذّكرى، ستبتسمُ مرةً أخرى…
هيا، تعالي أيتها الوردات وشاركينا الحب!”

وفي الجانب الآخر،
تقف هي مبتسمة،
تعرف أنه لن ينسى!
سيأتي من صلاته تملأ يديه وردات ضاحكة مستبشرة،
وشوقه يسابقها…
وستستنشق عبيرها قبل أن تقبّله،
كي يشاركها عبر الأنفاس صدى تلك الصلوات المباركة.

على تلك الجزيرة 03

في عالم، حدوده مفتوحة على مصراعيها،
مركزه قلبان التحما، بقوة جاذبية سرّها عند خالقها،
مسبباتها مجهوله، وسببها واحد دائما…

على تلك الجزيرة،
تسأل وردة حمراء صغيرة والدتها،
“يا ترى، مالذي يجعلك تتفتحين بهذا الجمال كل صباح؟”
ترد الوردة،
“حين تكبر قليلا سيغمرك النور الذي أراه وستعرف مصدره،
ستسمع تلك الهمسات التي تملأ الكون،
كالهمسات السريّة بين الوردات الأكبر سناً والتي تسألني عنها كل صباح ومساء!
حينها لن تتمالك ابتساماتك يا صغيري…

وحين تكبر قليلا،
ستكفّ عن طلب الحلوى كثيرا!
فالهواء هنا في الأعلى بطعم السكر،
وعبيره برائحة العنبر،
ستعلم يا صغيري حين تكبر،
أن حتى حبي لك، هذا الذي ينبض داخلي، هو بسبب هذا النور،
وحينها ستتعلم أن أشياء كثيرة تحدث بدون سبب،
تجعل كل من يلمحها يبتسم، ثم يمضي في طريقه متمتماً،
“سبحانه!”

على تلك الجزيرة 02

على تلك الجزيرة،
استيقظ الهدهد بين الشجر على دعوات حب وأصوات سعادة،
فهنا حين تشرق الشمس تهرول في السماء لتزور جزيرة الحب،
وتدور حول نفسها تغني وترقص،
تعلن عن يومٍ أبديّ جديد…

فيسألها وهما يراقبان النور،
“أتعلمين أني لم أعد أعرف حدود جسدي من حدود جسدك؟”
فترد عليه بنبرة فلسفتها المعتادة،
“أوَ بقيت لنا أجساد؟”
فيقول بلطف لا ينتهي،
“كل ما أعرفه أنه يبقي لي جسدك،
محرابي الذي أتعبّد فيه وأقيمُ أصدق صلواتي،
فإن شكرتُ وصلتُ شفتيكِ،
وإن استغنيتُ لثمتُ ياقوتة خدكِ،
وبين عناقك وعنقك أشدّ رحالي كل يوم مرارا،
طالبا الرضا والقرب.”

تضحك بخجل تائهة بين كرم الجمال وشحّ تعابير الشكر،
ثمّ تطلق للسماء تنهيدة طويلة لتقول بعهدها،

“أتعلم!
لم أعرف أن للسعادة هذا الطعم!
أحسّ وكأن الحقيقة هي ابنة السعادة وليس العكس!
أندّعي جوراً أننا نعرف سبب هذا الحب؟
ألا ترى! الحبّ هو السبب ونحن مسبباته،
وهذه هي الحقيقة…
كمن يسأل من خلق الخالق…
ليس للحب سبب، الحب هو السبب!

وبسبب هذا الحب،
رأينا الكون كله يتغير أمام أعيننا،
فأصبح كل شيء يلفّ حول نفسه،
وكالأوتاد من قلبينا ثُبّتنا، في مركزه!”

وفي السماء تضحك الشمس وتهمس للكون،
“قد كشفت سرّنا!”

على تلك الجزيرة 01

على تلك الجزيرة،
تعلّم حتّى الحجر أن يسترِق السمع،
فكل الأصوات إما ضحكات أو تعبّد!

تسأله،
“أتعلمُ ماذا يقولُ ليَ القمر؟”
فيعدلُ جلستهُ أمامها مبتسماً بشوق،
“أخبريني!”

“يقولُ لي حين ينظرُ لابتسامتي التي لاتغيب ونحنُ سوياً، يسألني بتعجّبٍ لطيف،
(أبقيت لكِ أحلام؟)
أتعلمُ ماذا أردّ عليه؟”

حينها،
وكأنّ الكون كله أحجيةٌ عجيبة ستتكشّف عبر لذيذِ شفتيها،
وكأنّه مارد الفانوس السحري، يتربّص الأمنيات سرّاً كفرص ذهبية،
يحاول تمالك نفسه أولاً،
يبلع ريقه برقة ثم يسألها بعفويّة مفتعلة،
“ماذا تردين عليه؟”

تضحك، لأنها ببساطة تقرأ عليه كل تعابيره بالذات حين يحاول إخفاءها!
لكنها تعود وبحماس خجول يماثل حماسه المكتوم، وترد عليه،
“أقولُ له،
أريد البقاء هنا للأبد.
أطلبه وصفة سحرية، تطيل العمر،
أو تأخذ العمر! لتبقينا هنا للأبد، وحدنا.
لا أعلم إن كان ينفع…”
يرد وكأنه يملك المستحيل،
“كل شيء ينفع!”

وفوقهما يبتسمُ القمر، فيضيءُ بوجهه كامل الجزيرة،

ويهمس،
“ستعلمان يوماً، أن رحلة الخلود قد ابتدأت حين وُلد الحب في قلبيكما… هنيئاً.”

ويكمل القمر أغنيته، بين الضحكات والصلوات…
“… بل أنتِ أنورُ…”