على تلك الجزيرة 04

وَضَعَ الحب حجر قبلته
في وسط تلك الجزيرة، فوق تلّةٍ تُقبّل على استحياء ساحل البحر،
عن يمينها مطلع شمس الصباح،
ومن حولها نبتت وردات حمراء متعبّدة،
فكان يحجّ إليها في اليوم مرة،
رجلٌ غريب الأطوار،
على جسده مخطوطات سحريّة،
يقف متأملا للحظة،
يتنفس شاكرا،
ويسجد…

وبعد حين،
يقوم، فيجمع بعض الوردات الحمراء التي مالت إليه مؤمّنةً على صلوات حبه وراغبةً في المزيد،
وعلى شفتيه ابتسامة تشوّق،
فهذه الوردات المحظوظة ستصلُ ليديها!

“عندها ستُذكّرها أنّي لستُ أنسى،
وإن مرّ ألفُ ألفِ عام،
سأطالبُ سرّا حقّي في ابتسامتها حين تستقبلُ أزهاري،
وستسافر عبر أنفاسها صلواتي المحفوظة في عبير كل وردة لتُقبّل جوفها،
لُتبارك لي في الحب الذي يسكن قلبها…
وفي نهاية اليوم،
حين توجّه وجهها لقبلتنا،
أعلم أنها، كرما للذّكرى، ستبتسمُ مرةً أخرى…
هيا، تعالي أيتها الوردات وشاركينا الحب!”

وفي الجانب الآخر،
تقف هي مبتسمة،
تعرف أنه لن ينسى!
سيأتي من صلاته تملأ يديه وردات ضاحكة مستبشرة،
وشوقه يسابقها…
وستستنشق عبيرها قبل أن تقبّله،
كي يشاركها عبر الأنفاس صدى تلك الصلوات المباركة.

على تلك الجزيرة 03

في عالم، حدوده مفتوحة على مصراعيها،
مركزه قلبان التحما، بقوة جاذبية سرّها عند خالقها،
مسبباتها مجهوله، وسببها واحد دائما…

على تلك الجزيرة،
تسأل وردة حمراء صغيرة والدتها،
“يا ترى، مالذي يجعلك تتفتحين بهذا الجمال كل صباح؟”
ترد الوردة،
“حين تكبر قليلا سيغمرك النور الذي أراه وستعرف مصدره،
ستسمع تلك الهمسات التي تملأ الكون،
كالهمسات السريّة بين الوردات الأكبر سناً والتي تسألني عنها كل صباح ومساء!
حينها لن تتمالك ابتساماتك يا صغيري…

وحين تكبر قليلا،
ستكفّ عن طلب الحلوى كثيرا!
فالهواء هنا في الأعلى بطعم السكر،
وعبيره برائحة العنبر،
ستعلم يا صغيري حين تكبر،
أن حتى حبي لك، هذا الذي ينبض داخلي، هو بسبب هذا النور،
وحينها ستتعلم أن أشياء كثيرة تحدث بدون سبب،
تجعل كل من يلمحها يبتسم، ثم يمضي في طريقه متمتماً،
“سبحانه!”

على تلك الجزيرة 02

على تلك الجزيرة،
استيقظ الهدهد بين الشجر على دعوات حب وأصوات سعادة،
فهنا حين تشرق الشمس تهرول في السماء لتزور جزيرة الحب،
وتدور حول نفسها تغني وترقص،
تعلن عن يومٍ أبديّ جديد…

فيسألها وهما يراقبان النور،
“أتعلمين أني لم أعد أعرف حدود جسدي من حدود جسدك؟”
فترد عليه بنبرة فلسفتها المعتادة،
“أوَ بقيت لنا أجساد؟”
فيقول بلطف لا ينتهي،
“كل ما أعرفه أنه يبقي لي جسدك،
محرابي الذي أتعبّد فيه وأقيمُ أصدق صلواتي،
فإن شكرتُ وصلتُ شفتيكِ،
وإن استغنيتُ لثمتُ ياقوتة خدكِ،
وبين عناقك وعنقك أشدّ رحالي كل يوم مرارا،
طالبا الرضا والقرب.”

تضحك بخجل تائهة بين كرم الجمال وشحّ تعابير الشكر،
ثمّ تطلق للسماء تنهيدة طويلة لتقول بعهدها،

“أتعلم!
لم أعرف أن للسعادة هذا الطعم!
أحسّ وكأن الحقيقة هي ابنة السعادة وليس العكس!
أندّعي جوراً أننا نعرف سبب هذا الحب؟
ألا ترى! الحبّ هو السبب ونحن مسبباته،
وهذه هي الحقيقة…
كمن يسأل من خلق الخالق…
ليس للحب سبب، الحب هو السبب!

وبسبب هذا الحب،
رأينا الكون كله يتغير أمام أعيننا،
فأصبح كل شيء يلفّ حول نفسه،
وكالأوتاد من قلبينا ثُبّتنا، في مركزه!”

وفي السماء تضحك الشمس وتهمس للكون،
“قد كشفت سرّنا!”

على تلك الجزيرة 01

على تلك الجزيرة،
تعلّم حتّى الحجر أن يسترِق السمع،
فكل الأصوات إما ضحكات أو تعبّد!

تسأله،
“أتعلمُ ماذا يقولُ ليَ القمر؟”
فيعدلُ جلستهُ أمامها مبتسماً بشوق،
“أخبريني!”

“يقولُ لي حين ينظرُ لابتسامتي التي لاتغيب ونحنُ سوياً، يسألني بتعجّبٍ لطيف،
(أبقيت لكِ أحلام؟)
أتعلمُ ماذا أردّ عليه؟”

حينها،
وكأنّ الكون كله أحجيةٌ عجيبة ستتكشّف عبر لذيذِ شفتيها،
وكأنّه مارد الفانوس السحري، يتربّص الأمنيات سرّاً كفرص ذهبية،
يحاول تمالك نفسه أولاً،
يبلع ريقه برقة ثم يسألها بعفويّة مفتعلة،
“ماذا تردين عليه؟”

تضحك، لأنها ببساطة تقرأ عليه كل تعابيره بالذات حين يحاول إخفاءها!
لكنها تعود وبحماس خجول يماثل حماسه المكتوم، وترد عليه،
“أقولُ له،
أريد البقاء هنا للأبد.
أطلبه وصفة سحرية، تطيل العمر،
أو تأخذ العمر! لتبقينا هنا للأبد، وحدنا.
لا أعلم إن كان ينفع…”
يرد وكأنه يملك المستحيل،
“كل شيء ينفع!”

وفوقهما يبتسمُ القمر، فيضيءُ بوجهه كامل الجزيرة،

ويهمس،
“ستعلمان يوماً، أن رحلة الخلود قد ابتدأت حين وُلد الحب في قلبيكما… هنيئاً.”

ويكمل القمر أغنيته، بين الضحكات والصلوات…
“… بل أنتِ أنورُ…”

هو الكون 03

في أعلاي تسكن روح مقدسة،
تفرح لفرحي وتحزن لحزني،

تشاركني الحياة لحظة بلحظة،
وفوق العرش تجلس وسط قلبي،
تدقّ من داخله تذكرني،
تقول أما آن الآوان؟

في أعلاي تسكن روح تدعوني،
بصمت الفضاء تنظر من خلف عيناي،
تحمي بصيرتي،
تنبهني،
ماذا يقبع خلف كل التعابير تسألني؟
توقظ نائما همه زاد لا يتعدى حاجة جسده،
تطلبني،
تغرف من الهواء وعنوة تدفعه في جوفي،
“أفيقي بلطف نسائم الهواء!
واتركي الرزق للرزّاق.”

في داخلي روح،
لستُ أنا ربها، بل هي من ربي،
علمها عنده، تمسكُ علي قلبي،
وتطلبني أن أصمت،
ففيها قد حفظ لوح أزلي،
تدعوني ان اقرأه،
فأتوه أجمع حروف هجائها من الكون،
فتضحك على جهلي،
وتطلبني أن أصمت من جديد،
أن أنصت فقط،
فاللغة هنا هي الصمت،
والعلم هنا هو الحكمة،
والوسيلة هي اتصال.

هو الكون 02

تحت وطأة شمسك امتليء نور إن أتيت،
وإن غبت أعكس ضياءك كقمر،
يسألوني عنك،
فأقول لهم اسمحوا لقلوبكم أن ترى النور،
افتحوا النافذة فأمامها محيط،
وخلالها يتسلل نور ليس له شبه،
يضيء السماوات،
ولا يعكسه إلا ما صُقل فغدى كمرآة.

فداخل القلوب المصقولة حجرات إن أصابها شيء من النور تردّه وتنشره،
يأتي إليها رحالة من كل صوب يطلبون قضاء الليلة،
فلا يستطيعون دفع الأثمان فيحتمون بظلها إلى حين،
ويقضون حوائجهم من خيراتها،
ثم يرحلون.

يناديني المحيط أمام نافذتي،
يدعوني ان أقدم،
فلمَ أجدُ نفسي على الشاطيء كلما استسلمت لعمقه،
أيجلب الغرق مزيد من الحياة؟
ربي أنت أعلم،
ربي أنا لا أعلم.
فاجعلني مثلك،
فكم أريد أن أعلم،
أن استقي من هذا المحيط،
من عجائب حكمتك.

منذ أن تحرك قلبي،
تعلمت عن أسرار الأهرامات وأنا لم أدرك حكمتها،
رأيت آلهة الإغريق وبوابات الشمس،
بحثت عن أسرار كتب المعارف وعجبتُ لسحر موسى،
نويت أن أحب فتجلّى سلام عيسى،
وبين يديّ محمد وكرمه وقفت أمام الكوثر أقدّم عليّ من أحببت،
فنظرة من صدقه جعلتني بكرمه،

أعيش كحالمة في عوالمك،
أُنعتُ بألقاب كثيرة: غريبة الأطوار، عميقة،
حساسة…
فأتشّرف بها.

هو الكون 01

إن الحياة عجيبة جدا،
أجد نفسي جسد من طين أحيانا، فلا أقوى أن أبرح مكاني،
وأحيانا أخرى أجد أن لي روحا من أثير،
أعبر بها القارات، وأقوّي بسحرها إيماني.

إن الحياة مضنية جدا،
إن الوحدة في العزلة ليست مجدية،
إن العزلة عن الناس مجدية جدا،
لكن هذا القلب يبحث عن ونيس،
إن العلم الذي يملأني يبحث عن متنفّس،
فالكلمة تحت قلمي تخشع،
والقلم تحت بطشها يتصدّع،
فأنثر كلمات تتلّوّى كحيّة تسعى،
تلقفُ واهن الأحاديث.

إن بين ضلوعي حممٌ من شوق،
تطلب الماء،
تبحث عن الماء،
تشتاق للماء…
قد شحّ الماء في مدينتي،
فلم يبقى سوى الملوث عند الناس يتداولونه،
فيزيد من ظمأهم وهم لا يعلمون.
وأتعجب، كيف لا يبحثوا عن مايروي العليل،
ربما لم يتذوقوه،
ربما لم يسيتسيغوا صفاءه.

يارب، إني لما أنزلت إلي من كل هذا الخير مازلت الفقيرة التي تطلب!
ومازلت أنت الكريم الذي يعطي…
مازلت أنا القليل وأنت الكثير،
مازلت أنا المتعبّد وأنت المعبود المتفرّد،
مازلت أنت تتحدى أحلامي،
تفتح السماء على مصراعيها أمام طيوري،
فأكبر حين أسرح،
وأعلم حين أتأمل،
أعلم يقينا،
أنه لن يسكن قلبي بعد اليوم غريب،
وزينتي لم تعد تظهر إلا لمن منك قريب.

قد صارت زهوري تأبى غير عذب المياه لتنبت،
فالمياه التي تجري لا ترويها،
والمياه التي تركد لا تحييها،
إن زهوري تبحث عن المطر،
او عن ينبوع أصله حممٌ من كرم وطيب وأشواق،
يسري بين عروقي فتجمّد الحمم،
وتخصّب تربتي،
فتنبت حول الحمم بساتين،
كلها من زهور، ملونة،
تعطي من يقطف.