يا حيّ

بين الموت والحياة،
انتهى بي المسير وسط صحراء قاحلة لا حياة فيها ولا نيّة حياة،
مشيت لا أعلم الى أين أذهب،
حتى فقدت كل أمل وشقّ عليّ المسير،
فانهرت على الرمال الساخنة، تلسعُ بقرصاتٍ حارّة جسدي المستسلم،
فانفجرتُ دون سابقةِ إنذارٍ أبكي بحرقة، فانهملت من عيني دموع لم أعلم لها مصدر، وكأنها فيضان نوح!
وبكفٍ وهنَ منه حتى المقاومة أضرب الأرض أندبُ حالي وما إلتُ اليه،
وتداخلتْ مع البكاء صرخاتٌ مكتومةٌ لعويلٍ لم أعلم أنه مني، ووجدتني بصوت مبحوح متهدرج أناجي ما أجهله،
يارب…
يارب…
يارب،
رحمتك بي يارب،
لم أعد أعلم من أنا وإلى أين أسير،
يارب رحمتك بي يارب،
لم يعد لدي قوة،
يارب فافعل بي ماتشاء!
يارب لا أريد جنة أو نار، أريد فقط أن أنتهي،
يارب ليس لدي ما أستجير به من نفسي ومن استسلامي لهذا اليأس المضني،
يارب ليس لي ملجأ سواك، يارب…

ومازلت على حالي حتى انطفأت الشمس،
ونادتني السماء، أفيقي!
انظري من حولك، قد جاء الفرج!
فنظرت واذا ماءٌ يسقط من السماء،
وماءٌ ينبع من الأرض حيث ضربت بكفي، وكأنها عيون إسماعيل وانا بيأسي هاجر!
يارحيم، يارحيم،
يا حبيبي يا حبيبي،
نسيت عطشي وتعبي،
واستلقيت من بعد عاصفة اليأس اضحك ملء فمي على ضعفي المحمود،
شكرا! نظرت للسماء بعينين دامعتين غسلهما المطر، شكرا! ردّدت شكري ضاحكة باكية، حتى رأيت ذاكَ الرحّال الذي لا أعلم من أين أتى، ينثر في الأرض بذراً، فينبت من حولي زهرٌ من كل لون مابين الطين والماء،
فأسرني جمال كل زهرة، وجِلتُ ببصري اتأمّلها،
هاهي تتفتح مع كل ضحكة ومع كل كلمة غزل رميتها لها،
يا لجمالك،
يا بديع،
يا حيّ،
يا مغيث…
وإذا بالماء يمتد حد البصر،
فوجدت بحرا من نور قد تشكل عن يميني،
يناديني: هي واحدة،
هلمّي إليّ،
فما تبحثي عنه عندي، هلمّي إليّ تعالي!
حينها علمت أنه ماقتلني الرعد حين أرعد،
ولا المطر حين استفاض،
ماقتلتني الزهرة حين قبّلت وريقاتها بشذاها الآسر،
ولا النبع الحار حين غسلت منه وجهي،
فكيف يقتلني البحر،
شهقت شهقة أخيرة وغصت، ابحث عن لؤلؤ القاع،
من يناديني؟
ماذا تخبيءُ خلف هذا الجمال، أريني،
وغصت أبحث، في انعكاسات الضوء على كل صدفة وحجر،
بين أسراب السمك الذي لا أعلم من أين أتى،
وأسراب طيور النورس التي لاحت لي من تحت الماء ترقص في السماء، ترقبُ السمكات التي تسبح بدلالٍ وتبْطِنُ لها كمائنَ حب!
مرّ وقتٌ طويل وأنا في الماء،
ما انتبهت أنّي،
قد لفظت نفسي الأخير الذي احتميت به، وبكل هدوءٍ، منذ هنيهة!

حينها علمت أنّي البحر والسماء والأرض، فياعجبي من خوفي،
كيف لحيٍ أن يموت؟
وكيف لكريم أن يبخل؟ أو حبيبٍ ألّا يبذل؟
كيف لأبدٍ أن ينتهي؟
كيف لجنة أن تنادي وهي مقفولة الأبواب؟
وكيف لمستجيبٍ موفي العهد ألّا يجيب؟
كيف لحي أن يموت؟
قل لي،
كيف لحي أن يموت،
يا حيّ.
ياحيّ يا حيّ.

اترك رد